«صوت هند رجب» صوت أثقل من الصورة

يعتقد الكثير أن صناعة السينما السعودية ستقودها شركة «تلفاز 11»؛ كونها الشركة الأكبر والأهم في الصناعة الناشئة، إضافة إلى ارتباطها بالجمهور من بداياتها في يوتيوب.
لكن تلك الثقة اهتزّت في نظري بعد فِلم «رهين». يجب على «تلفاز 11» أن تراجع إنتاجاتها، ونصيحتي لها: «الاتكاء على إرثها مع الجمهور لن يشفع لها أمام الإخفاقات»، الجميع ينتظر منها أن تكون على قدر الطموح.
نايف العصيمي

«صوت هند رجب» صوت أثقل من الصورة
عهود أبو خيرة
خرجت من عملي مثقلة بتراكم المهام وضجيج الأفكار، مقتنعة -ولو مؤقتًا- أنني أعيش واحدًا من أكثر أيامي ضغطًا. كان الإرهاق حاضرًا، والقلق أعلى من قدرتي على الاحتمال. ثم دخلت فلم «صوت هند رجب»، وفي دقائق قليلة فقط، انهار هذا الوهم بالكامل. أدركت أن ما أسميه ضغطًا ليس سوى رفاهية مؤجلة، وأن همومي اليومية لا تملك أي وزن حين توضع على ميزان الهلال الأحمر في غزة، حيث تُقاس الحياة بالدقائق، ويصبح الصوت، لا الصورة، هو آخر خيط يربط الإنسان بالعالم قبل أن ينقطع إلى الأبد.
صراع المنطق والمشاعر!
يرتكز الفلم على واقعة حقيقية: الطفلة هند، العالقة داخل سيارة، والمحاطة بأجساد عائلتها التي قُتلت إثر استهداف إسرائيلي، تحاول التواصل مع طاقم الهلال الأحمر طلبًا للنجدة. المفارقة الأكثر إيلامًا في القصة ليست الموت نفسه، بل الزمن؛ فسيارة الإسعاف لا تبعد سوى ثماني دقائق. رقم يبدو، في أي سياق آخر، مسافة قابلة للاجتياز، لكنه هنا يتحول إلى متاهة بيروقراطية وأمنية خانقة، حيث تفصل بين الحياة والموت موافقات لا نهائية، وتنسيقات معقّدة، وضوء أخضر لا يضيء إلا ليطفئ احتمالًا آخر.
في قلب هذا الزمن المعلّق، يتجسد الصراع الأثقل: صراع المنطق أمام المشاعر. عمر ورنا، الموظفان اللذان يرافقان هند صوتيًّا، يواجهان قهر العجز المطلق؛ طفلة تستنجد، تطلب النجدة بكل براءة، وتفسر الواقع كما تستطيع: تظن أن أهلها الميتين حولها «نائمون»، وتقترح على رنا بحلٍّ طفولي مؤلم: «طيب خلي زوجك يجيبك لعندي».
في المقابل، يقف المدير مهدي في الضفة الأخرى من المعادلة، ممثلًا صوت العقل المنطقي. رجل فقد كثيرًا من زملائه المسعفين بسبب ذهابهم إلى مناطق خطرة لإنقاذ أشخاص آخرين، اختياره ليس بين الصواب والخطأ، بل بين خسارتين مؤكدتين: إنقاذ طفلة، أو تعريض فريق كامل للموت. هذا الصراع الحقيقي غير المتخيّل هو ما يمنح الفلم ثقله الأخلاقي، ويترك المشاهد عالقًا في شعور العجز ذاته الذي يعيشه أبطاله.
أداء حقيقي… أكثر مما يحتمل
تقديم قصة موثقة، خاصة حين تكون مادتها الأصلية متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، مهمة شديدة الخطورة. ومع ذلك، ينجح ممثلو الفلم في تقديم أداء يكاد يتجاوز التمثيل نفسه. أداء رنا (سجى الكيلاني)، بانهيارها المكبوت ومحاولاتها المستميتة للتماسك أمام الطفلة، كان صادقًا إلى حد موجع. عصبية عمر (معتز ملحيس) واندفاعه لم تأتِ استعراضية، بل منطقية تمامًا في سياق ضغط لا يُحتمل.
وبالتأكيد لا يخفى دور الطبيبة النفسية نسرين (كلارا خوري)، وصمت المدير مهدي (عامر حليحل)، إذ أضافا إلى الفلم طبقات إنسانية عميقة ومعقدة، جعلت الكاميرا، للحظات كثيرة، تبدو غير موجودة. شعرتُ أنني لا أشاهد فلمًا، بل أطلّ على غرفة طوارئ حقيقية، بلا فلاتر ولا مسافة أمان.
الضغط السمعي والبصري
اعتماد الفلم على تسجيلات حقيقية لمكالمات الطفلة هند وهي تستنجد بطواقم الهلال الأحمر كان قرارًا إخراجيًّا بالغ الجرأة والقسوة في آن. هذا الاختيار لا يسعى إلى صدمة عابرة، بقدر ما يهدف إلى تثبيت الألم في موضعه الصحيح، ومنح المتفرج فرصة غير مريحة لمواجهة الحقيقة كما هي، بلا وسائط مخفِّفة.
كوثر بن هنية، كما رأينا في أعمالها السابقة، ولا سيما «بنات ألفة»، التي تمزج فيها بين الوثائقي والروائي، لا تستخدم المادة الحقيقية خلفيةً سردية، بل بنية أساسية للعمل، تديرها بحس سينمائي يحافظ على صدقها وخشونتها دون أن يفقدها إنسانيتها.
إضافة إلى ذلك، استخدام كاميرات (Handheld) بشكل مكثف، مع ضيق الكادرات وقرب الكاميرا الشديد من الممثلين، منحني شعورًا مباشرًا بالتوتر والضغط، والحركة السريعة التي عاشها طاقم الهلال الأحمر في أثناء المهمة. هذه التقنية البصرية جعلت الصورة تدعم الصوت، وزادت من حدة أثر المكالمات الحقيقية، بحيث يشعر المشاهد وكأنه في قلب الحدث. يشبه هذا الأسلوب ما استخدمه فلم (The Call» (2013» لبراد أندرسون، حيث الحركة اليدوية للكاميرا واللقطات المقربة في مشاهد 911 ومكالمات الخط الساخن، تعطي إحساسًا خانقًا بالوقت والضغط، وتضع المشاهد داخل الأزمة مباشرة، تمامًا كما يحدث في فلم «صوت هند رجب».
جوانب مخفية
في أثناء متابعة توتر فريق العمل على حياة الطفلة هند، وجدت نفسي مشغولة بالجانب الآخر من المعاناة: صدمة عائلتها، وخصوصًا والدتها. تمنيت لو أن الفلم منحنا لحظة أقرب من حديث الأم مع طفلتها، لنعيش فترة أطول مع الألم البشري الذي عاشته هذه العائلة. كذلك، لو عشنا جزءًا من يوم الطفلة هند مع عائلتها وأبناء خالتها قبل الرحلة المؤلمة، لزاد ذلك من قوة القصة ووقعها، بما في ذلك صعوبة الطريق التي واجهها المسعفون وحتى نهايتهم.
خاصة بالنسبة إلى المشاهدين البعيدين جغرافيًّا عن أحداث القصة، كان هذا الظهور سيترك صدى أعمق ويعطي صورة «صعبة»، لكنها تحكي كل جوانب المعاناة من مختلف الاتجاهات.
لا أخفي أن هذا التساؤل ظل يراودني بعد خروجي من الفلم: لماذا اختارت كوثر بن هنية إخفاء هذه الجوانب؟ هل كان السبب صعوبات إنتاجية أم قيود الميزانية؟ لكن بعد التأمل، بدا لي تفسير آخر لهذا الغياب: العجز. قد يكون اختيار المخرجة لعدم إظهار الجوانب الأخرى محاولة لتركيز المشاهد على الإحساس بالعجز؛ تحبسنا في الموقع ذاته، مع وسيلة اتصال واحدة، وصوت بلا صورة، لنعيش نحن الإحساس نفسه. لكنه أيضًا قد يقلل من عمق التأثير الإنساني في الجمهور البعيد عن الحدث.
الخلاصة؟
«صوت هند رجب» كان أثقل من أي صورة، وأقسى من أي مشهد. لا أدّعي أن الكلمات قادرة على إنصاف حكاية كهذه، لكنني أعلم أن هذا الفلم يستحق الوقوف له احترامًا، لا لأنه متقن فنيًّا فحسب، بل لأنه صادق حد الألم، ولأنه يذكّرنا بأن الواقع، أحيانًا، أكثر قسوة من أي خيال سينمائي.

السينما وُجدت لتبقى
متى تنسى الناس السينما؟ إذا كانت مجرد تجربة بحدود الساعتين، حالما ينتهي الفلم، تختفي من ذاكرتك. مبادرة «سينماء» من هيئة الأفلام انطلقت لتضيف للتجربة عمقًا وتأثيرًا يتجاوز قاعة العرض. من خلال مسارات متنوعة تهدف إلى إثراء المشهد السينمائي السعودي، ودعم المواهب النقدية، وصناعة محتوى يليق بتاريخ السينما ومستقبلها.

-.jpeg)

يُعرض اليوم الخميس في صالات السينما السعودية فِلم «Nuremberg»، من إخراج جيمس فاندربيلت، وبطولة راسل كرو ورامي مالك ومايكل شانون. وتدور أحداثه في أعقاب الحرب العالمية الثانية داخل أروقة محاكمات «نورمبرق»، حيث يُكلَّف الطبيب النفسي الأمريكي «دوقلاس كيلي» بتقييم القادة النازيين المحتجَزين، قبل مثولهم أمام المحكمة. ومع تتابع جلسات الطبيب مع «هيرمان قورينق»، يدخل الفِلم في مواجهة نفسية تكشف كيف يرى الجناة أنفسهم، وكيف يحاولون إعادة صياغة ذنبهم أمام العدالة والتاريخ.
أُصدر الإعلان الرسمي الأول لفِلم «The Odyssey» للمخرج كريستوفر نولان، مقدّمًا لمحة عن إعادة تصوير ملحمة هوميروس الإغريقية التي تروي رحلة الملك أوديسيوس الشاقة للعودة إلى وطنه بعد حرب طروادة، ومن المقرّر عرض الفِلم في صالات السينما عالميًّا في 17 يوليو، 2026.
أُصدر الإعلان التشويقي الجديد لفِلم «STEEL BALL RUN: JOJO’S BIZARRE ADVENTURE»، وهو عمل مستقل مقتبَس من الجزء السابع من مانقا «جوجو»، ويتخذ من سباق «خيالي» عابر للقارة الأمريكية إطارًا للأحداث. ينطلق السباق بدافع الجائزة، لكنه يتحوّل إلى صراع دموي تتقاطع فيه الطموحات الشخصية مع قوى خارقة ومعارك خفيّة بين المتسابقين. ومن المقرّر عرض الفِلم في 19 مارس، 2026.
تعتزم وارنر برذرز الإبقاء على موعد عرض فِلم «Dune: Part Three» كما هو، رغم تزامنه مع فِلم «Avengers: Doomsday»، ليُعرض العملان في صالات السينما في 18 ديسمبر، 2026.
حصل فِلم «Marty Supreme» على تصنيف (Certified Fresh) بنسبة 95% على موقع «Rotten Tomatoes»، ليُسجَّل بوصفه أحد أعلى الأفلام تقييمًا في مسيرة الممثل تيموثي شالاميه حتى الآن.
.png)
ادّخر بذكاء من كل عملية شراء 🧠
كل ريال تنفقه يمكن أن يصنع فرقًا في مستقبلك المالي. «ادخار سمارت» من stc Bank حساب ادّخاري يعطيك 4% أرباح سنوية وتقدر تسحب فلوسك بأي وقت! ادّخر اليوم، واستثمر في غدك مع
«ادخار سمارت».

«Opening Credits» (1:32)

-.jpeg)
يكتفي كثيرٌ من أفلام الجريمة الوثائقية بأن يكون وسيطًا شارحًا للوقائع؛ إذ يحتوي على صوت يروي، وصورة تدعم، وموسيقا تؤدي وظيفة خلفية محايدة. لكنّ فِلم «The Thin Blue Line» كسَرَ هذا التصوّر، وطرح نفسه بوصفه تحقيقًا سينمائيًّا لا يثق بالرواية الواحدة، ولا بحياد الشكل. واختبر الفِلم كيفية صناعة «الحقيقة» حين تتراكم الشهادات وتتناقض الذاكرة، قبل أن يتجاوز الشاشة ويُسهم في إعادة فتح القضية، وإسقاط الحكم لاحقًا عن المتّهم الرئيس.
تنطلق الحكاية من قضية مقتل شرطي في أثناء إيقافه سيارة ليلًا في دالاس عام 1976؛ قضية بُنيت على شهادات متناقضة وتحقيق متعجّل انتهى بحكمٍ بالإعدام على أحد المتهمين. لاحقًا مع تفكيك الروايات، يتضح حجم كارثة هذا القرار، في حين يبقى أحد أطراف القصة -المراهق ديفيد هاريس- خارج دائرة الاتهام فترة طويلة.
يبني المخرج إرول موريس فِلمه على تفكيك هذه الرواية -بتناقضاتها- من الداخل، عبر إعادة تمثيل الجريمة من منظور كل شاهد، ثم طرح الشهادات تحت ضوء جديد. ومع كل نسخة جديدة للمشهد، يحتاج الفِلم إلى شيء يربط هذا التكرار. وهنا تدخل موسيقا الملحّن فيليب قلاس.
اختبار الإيقاع قبل التأليف
قبل كتابة أي نغمة، استخدم موريس في مرحلة التحرير مقاطع منوعة من أعمال قلاس السابقة ليختبر بها إيقاع الفِلم، وهذا الاختبار كشف أن في موسيقا قلاس امتدادًا لطريقة تفكير موريس. بعدها دخل قلاس مرحلة التأليف مستخدمًا فرقة صغيرة من آلات النفخ والوتريات، مع توزيع يعتمد على طبقات ضيقة تُضاف تدريجيًّا دون أن تتحول إلى «لحن بطولي».
مقطوعتان رئيستان
مقطوعة «Opening Credits»
تقوم المقطوعة على جملة قصيرة متكررة بإيقاع ثابت، وترافقها وتريّات تحافظ على نغمات طويلة بلا تصاعد أو تغيير لحني. وتظهر في الافتتاح مع لقطات الطرق الليلية، لكنها لا تبقى حبيسة البداية؛ إذ تعود بأشكال قريبة عند كل إعادة لتمثيل الجريمة. يعكس التكرار السمعي تكرار الحدث، مع فروق طفيفة في التوزيع تتماشى مع اختلاف كل رواية، دون أن توحي بأنّ واحدة منها أكثر «صدقًا» من الأخرى.
مقطوعة «End Credits»
تنطلق من البنية الإيقاعية نفسها التي أسست الفِلم منذ بدايته، ثم تتسع تدريجيًّا عبر زيادة كثافة الوتريات، قبل أن تهدأ في الختام. تُستخدم في النهاية بوصفها لحظة إعادة تجميع، حيث تُعيد المستمع إلى الإيقاع الأساس الذي رافق التحقيق، وفي الوقت نفسه تمنح مساحة تنفّس بعد تراكم التوتر، دون أن تتحول إلى خاتمة عاطفية أو إحساس بالحل النهائي.
عبد العزيز خالد


اليوم نقول «أكشن» مع هذا المشهد من فِلم «The Act of Killing» الصادر عام 2012، من إخراج جوشوا أوبنهايمر.
يعود الفِلم إلى المجازر التي حدثت في إندونيسيا بين عامَي 1965 - 1966، حين قُتل مئات الآلاف بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي، ضمن حملة منظّمة دعمتها السلطة العسكرية وباركتها الدولة لاحقًا بوصفها «تطهيرًا وطنيًّا». غير أن الفِلم لا يتعامل مع هذه الأحداث بوصفها فصلًا تاريخيًّا منتهيًا، بل واقعًا مستمرًّا؛ لأن مُرتكبي الجرائم لم يُحاسَبوا، بل اندمجوا في النسيج السياسي والاجتماعي، وبعضهم ظلّ حاضرًا باعتباره «منقذًا» أو «بطلًا».
ينطلق الفِلم من فرضية «ماذا لو أُتيح لمنفّذي الجرائم أن يروُوا قصتهم بأنفسهم، لا بصيغة الاعتراف أو الندم، بل بالطريقة التي يرَونها عادلة؟» ولا يطلب منهم المخرج جوشوا أوبنهايمر إعادة سرد الوقائع كما حدثت، بل يدعوهم إلى إعادة تمثيلها بالأسلوب الذي يحبونه.
وداخل هذا السياق يأتي هذا المشهد؛ حيث يقف أنور كونقو ليشرح «تقنيًّا» كيف كان يقتل، وكيف تخلّى عن الضرب والسكاكين لأنها تُخلّف دمًا كثيرًا، ثم يشرح الطريقة «الأنظف» للقتل باستخدام السلك. وبعد ذلك، يوسّع الحديث ليشمل كيف كان يتعامل مع ضغط القتل -بالرقص أو الشرب أو التعاطي- بصفته جزءًا طبيعيًّا من دورة يومية.
يُفهم هذا المشهد بوصفه خلاصة «ثقافة» سمحت بتحويل الجريمة إلى مهارة، والقتل إلى حكاية تُروى بثقة. وتكمن أهميته في أنه يضع المُشاهد مباشرة أمام جوهر الفِلم، لأن «The Act of Killing» لا ينشغل بسؤال لماذا حدث العنف، بل بكيف يُعاش بعد حدوثه حين لا توجد محاسبة، وكيف تُنتِج «السلطة المطلقة» لغةً تُبرّر العنف وتُفرغه من معناه الأخلاقي.
لهذا يتعمّد أوبنهايمر الغياب؛ فلا يعلّق أو يشرح، ولا يفرض موسيقا تقود الشعور، بل يترك فجوة قاسية بين الفعل وطريقة تذكّره، ويجبرك على العيش فيها.
تجربة مشاهدة الفِلم بكاملها غير مريحة على الإطلاق، ويُعدّ من أبشع الوثائقيات وأكثرها صدمة. وصعوبته ليست في أنه عنيف، بل في التفاصيل الدقيقة التي يُفصح عنها القتَلة ببرود، وفي الإحساس المستمر بأن ما يُقال «يُقدَّم طوعًا».
عبد العزيز خالد

فقرة حصريّة
اشترك الآن


في أواخر التسعينيَّات، كان المخرج أندرو جارِكي يعمل على مشروع وثائقي عن مهرّجي حفلات الأطفال في نيويورك، مهتمًّا بعالم يبدو مرحًا في واجهته، لكنه هشّ ومؤقّت في واقعه. وفي أثناء البحث الميداني، تعرّف على ديفيد فريدمان، أحد أشهر المهرّجين في المدينة، والمعروف باسمه الفني «Silly Billy». لم تبدأ العلاقة بوصفها تعاونًا سينمائيًّا، بل كانت مقابلات أوليّة ضمن مشروع لم يتّخذ شكله النهائي بعد.
ومن خلال ديفيد ظهرت طبقة أخرى للقصة، إذ ارتبطت عائلة فريدمان بقضيّة اعتداءات جنسية تعود إلى أواخر الثمانينيَّات، شملت الأب أرنولد فريدمان وابنه الأصغر جيسي، وانتهت بإدانتهما. لكن هذه المعلومة لم تؤثّر في بُنية المشروع، إذ إن مثل هذه القضايا معروف إعلاميًّا في تلك الفترة. لكن التحوّل حدث عندما أخبر ديفيد المخرج جارِكي أن العائلة تمتلك تسجيلات فيديو صُوّرت في أثناء الأزمة.
وعبر موافقة ديفيد، تحوّل مشروع وثائقي «المهرّجين» إلى فِلم قائم على أشرطة منزلية بوصفها مادّته الأساسية. وتغيّرت الفكرة من تتبّع مهنة إلى إعادة بناء قصة عائلة من خلال تسجيلاتها، مع اعتماد السرد على ما وثّقته الكاميرا في لحظة الانهيار، لا على تحقيق لاحق أو رواية خارجية.
وبهذا السياق نستهلّ فقرة «دريت ولّا ما دريت» عن فِلم «Capturing the Friedmans» الصادر عام 2003:
صُوّرت هذه الأشرطة بكاميرا فيديو منزلية خلال فترة ما بين التحقيقات الأولى والاستعداد للمحاكمة، ولم تُنتَج لغرض الدفاع القانوني أو الإعلامي، بل بدأ ديفيد -بصفته الابن الأكبر- التصوير بدافع شخصي لمحاولة الإمساك بما يحدث داخل البيت، وفهم انهيار العائلة وتسجيل نقاشاتهم.
ظهرت اتهامات بأن الوثائقي أخفى «أدلّة» مهمّة، من بينها اعترافات أدلى بها جيسي فريدمان خلال التحقيقات وفي جلسات إقرار الذنب، ووجود متهم ثالث في القضية (لم يُذكر في الفِلم)، وشهادات ضحايا لم يظهروا في الفِلم. وطُرحت هذه النقاط في مناظرات مع الجمهور في بعض العروض الخاصة للفِلم، التي أُدرجت لاحقًا ضمن قرص إضافي في نسخة الـ(DVD) بعنوان «Outside the Frame».
مع عودة القضية إلى الواجهة في 2010، استخدمت محكمة استئناف فدرالية لغةً استثنائية حين أشارت إلى أن سجلّ القضية «يوحي بوجود احتمال معقول لإدانة خاطئة»، رغم إبقائها الحكم لأسباب إجرائية. غذّت هذه العبارة الجدل الذي بدأه الفِلم، لكنها لم تُنهِه؛ إذ ردّ الادعاء المحلي بتقرير رسمي مطوّل خلص إلى أن الإدانة لم تكن خاطئة.
أثار ترشيح الفِلم للأوسكار اعتراضات من بعض المتضرّرين في القضية وصحفيين تابعوا التحقيقات منذ الثمانينيَّات، حيث رأوا أن الوثائقي أعاد ترتيب الوقائع من منظور واحد، وترشُّحه أو فوزه قد يؤثّر في الذاكرة العامة لقضية لم تُحسم أخلاقيًّا ولا اجتماعيًّا.
عبد العزيز خالد

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.