«المجهولة»: كل شيء يحدث بالصدفة!


تُثير اهتمامي تلك الأفلام التي لا تحصل على التقدير الكافي إلا بعد مضيّ فترة زمنية طويلة، كأنها إثبات على أن الزمن كفيل بتقدير العمل ذي الجودة الرائعة.

لو قلت لأيّ مُشاهد إن فِلم (The Shawshank Redemption) لم ينجح عند نزوله، ولم يُقدَّر إلا بعد مضيّ سنوات طويلة، راح يتعجّب من كلامك.. كيف الفِلم رقم واحد في (IMDb)؟

كان فِلمًا لم يكسب التقدير الكافي، خصوصًا أن هذا الفِلم بالذات كسب شعبيةً جارفة أكثر من أيّ فِلم آخر لم يُقدَّر وقت نزوله.

نايف العصيمي


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

«المجهولة»: كل شيء يحدث بالصدفة!

عهود أبو خيرة

لسببٍ ما، قررت أن أستقبل عام 2026 بأكثر الطرق قتامة. في اليوم الأول من السنة، غُصت في مسلسلات الجريمة والتحرّي وأفلامهما، حيث القتل والعنف يتقدمان المشهد بدل طقوس البدايات المضيئة. وجدت نفسي أكثر اهتمامًا بأساليب الخطف ومنطق القاتل وطرق إخفاء أثر الجريمة.

الأمر في الحقيقة ليس شخصيًّا بالكامل، فوفقًا لإحصاءات (FlixPatrol)، تتصدر أعمال الجريمة قوائم الأكثر مشاهدة عالميًّا، وتحافظ على نِسب إكمال أعلى من معظم الأنواع الأخرى. 

وبالطبع، لا يمكن تجاهل الجرعة العالية من الإثارة التي تمنحها هذه الأعمال، وربما كان هذا بالضبط ما دفعني إلى هذا الانغماس، محاوِلةً شحن نفسي لعامٍ قادم طويل. هل كانت هذه الطريقة المثالية لبدء السنة؟ ربما… مع نهاية هذا العام، سأجد الإجابة.

ملف القضية.. 

يُفتتح فِلم «المجهولة» بلقطة واسعة لصحراء قاحلة، تتوسطها جثة فتاة مراهقة ترتدي زِيّها المدرسي، ملقاة على الأرض كعلامة استفهام مفتوحة! لقطة تضع المُشاهد فورًا داخل رأس المحقق: مَن هذه الفتاة؟ ولماذا قُتلت؟ ومَن الذي ارتكب الجريمة؟… أسئلة تشكّل المدخل الأساسي للفِلم.

مِن هذه النقطة، ينتقل السرد ليتتبّع القصة من زاوية البطلة «نوال» (ميلا الزهراني)، موظفة أرشيف بسيطة في قسم الشرطة. وبمحض الصدفة -وهي كلمة سأعود إليها كثيرًا في هذه المراجعة- تصل قضية الفتاة المقتولة إلى القسم نفسه الذي تعمل فيه. يتعامل بقية الضباط مع الملف ببرود واضح، كأن القضية قابلة للإغلاق السريع دون الوصول إلى الجاني، لكن «نوال» تقرر التدخل، لا لشيء سوى لإعادة الاعتبار لفتاة لا تعرفها، وأخْذ حقها ممّن تسبّب في موتها.

السؤال الذي ظَل يلاحقني طوال الفِلم: ما علاقتكِ أنتِ يا «نوال» بهذه القضية؟ لو كنتُ مكانها، لاكتفيت بالدعاء للضحية في صلواتي، بدل الدخول في مواجهة مباشرة -بل وجدل- مع قاتل خطير محتمل. الفِلم يحاول تبرير هذا التدخل عبر شغف «نوال» بقصص الجريمة والقتل والتحقيق (وهو شغف أشاركها فيه شخصيًّا، مع فارق أنني -على الأغلب- أكثر خوفًا)، إضافة إلى حلمها بالالتحاق بمعهد التدريب لتصبح ضابطة في المستقبل.

الغريب في الأمر، أنه على الرغم من معرفتنا المسبقة بأن «نوال» ليست محققة ولا ضابطة، بل موظفة أرشيف لا علاقة لها بحلّ القضايا، فإن مديرها المباشر، فور وصول بلاغ الفتاة المقتولة، يطلب منها المساعدة. بغضّ النظر عن غرابة هذا الطلب بحدّ ذاته، فإن ما هو أكثر غرابةً أنه يصطحبها إلى موقع الجريمة بينما الجثة لا تزال في مكانها!

ووَفقًا لأبسط بديهيات العمل الجنائي، لا يُسمح لأي شخص غير معني بالقضية بالاقتراب من مسرح الجريمة تحت أي ظرف؛ حفاظًا على الأدلة ومنعًا لتلوثها أو اختلاط البصمات وغيرها من التفاصيل (التي أذكرها هنا فقط لأثبت أنني تعمقت قليلًا في هذا العالم).

الأغرب من ذلك أن وجود «نوال» في الموقع لا يضيف شيئًا يُذكر. كل ما تفعله هو النظر إلى الجثة والقول: «هذه جثة بنت في المدرسة الثانوية»، وهو استنتاج بديهي إلى حدّ السخرية، خاصةً أنها ترتدي زِيّها المدرسي بوضوح. ومِن هذه اللحظة تحديدًا، تبدأ سلسلة لامتناهية من أسئلة الـ«لماذا؟» التي ترافق الفِلم حتى نهايته.

الصدف اللامتناهية.. 

في عالم التحقيقات، تتجلى عبقرية المحقق حين تشعر أنك أقل منه ذكاءً، حين تكتشف أن كل تفصيلة محسوبة، وأنه يرى ما لا تراه. هذا ما يقدّمه مسلسل ‏«High potential 2024» عبر شخصية «مورقان»، عاملة التنظيف العبقرية في قسم الشرطة، التي تقود القضايا بحدسها وملاحظتها الدقيقة. وينسحب الأمر ذاته على ‏«Poker Face»، حيث تمتلك «تشارلي كيل» قدرة فريدة على كشف الكذب، وتستخدمها لحل الجرائم بالاستنتاج لا بالمصادفة. في كلا العملَين، يأتي حل الجريمة نتيجة منطق وذكاء، لا سلسلة صدف، وهو ما يمنح التجربة مصداقية ومتعة أكبر.

أما في «المجهولة» فالأمر كان على النقيض تمامًا. شعرت طوال الوقت بأن «نوال» لو اختُبرت في معدل ذكاء ‏(IQ) لربما حصلت على شهادة تقدير لانخفاضه. تبدأ رحلتها بالبحث عن هوية الفتاة المقتولة عبر مدارس البنات في الرياض؛ تحضّر قائمة، وتذهب من مدرسة إلى أخرى لتسأل عن الطالبات الغائبات في الفترة الماضية. وبالصدفة تصل إلى مدرسة وتلتقي فتاة خارج غرفة المديرة تقول لها: «أنتِ اللي قاعدة تدوري عن البنت الميتة؟» لنكتشف بعد قليل أن هذه الفتاة «بالصدفة» هي أخت «أمل» المقتولة.

ومن هنا، تبدأ سلسلة لامتناهية من الصدف: بالصدفة يصلها فيديو لـ«أمل» مع صديقاتها في أحد الكافيهات، وبالصدفة تذهب إلى المقهى نفسه وتجد صديقاتها هناك، ثم بالصدفة تصادف معلمة عند باب المدرسة وتكشف لها أن «أمل» تعيش بحي السليمانية بالرياض.

ولا تتوقف الصدف هنا، بل تتصاعد؛ ففي أحد شوارع السليمانية، ترى لوحة، وبالصدفة يكون الشخص الذي علّق اللوحة موجودًا في اللحظة نفسها بجانبها، وبالصدفة هذا الشخص نفسه هو ابن عم المقتولة «أمل»، لتلاحقه «نوال» إلى مسجد حي السليمانية حيث يعمل على رسوماته. ثم بالصدفة تجد باب سيارته مفتوحًا، وتكتشف آثار دم على المقعد الخلفي.

ولكي أكون صادقة، سأكتفي بهذا الحدّ، ليس لأن السلسلة انتهت، بل لأن سرد المزيد سيستغرق وقتًا طويلًا…

شخصيات روبوتية.. 

فِلم «المجهولة» قدّم تصويرًا متساهلًا بعض الشيء لدور الضابط، وطرح فكرة يصعب التأكد من صحتها، إذ لا يتضح ما إذا كان يُسمح لعائلة بدفن ابنتهم مجهولة الهوية، حتى لو كانت وفاة الضحية مرتبطة بما يُعرف بـ«قضية شرف»، التي -بالمناسبة- لا يوجد أي دليل يثبت أنها كذلك، خصوصًا بعد توضيح المشرحة أن سبب الوفاة كان صدمة قوية نتيجة سيارة مسرعة. صحيح أن الفتاة كانت متّجهة لرؤية حبيبها، لكنها في النهاية قُتلت بدواسة سيارة في أحد الشوارع. بمعرفتي -كمحققة متعلمة من المسلسلات- هذه ليست قضية شرف على الإطلاق.

وإذا أضفنا إلى ذلك الأداء التمثيلي، تصبح المشكلة أكبر. ميلا الزهراني، رغم موهبتها الواضحة وقدرتها على تقمص الشخصيات, كما رأينا في فِلم «هوبال»، أداؤها في «المجهولة» جامد على نحو مقلق؛ تمرّ على كل المواقف بالتعابير نفسها وردة الفعل نفسها! في حوارات ركيكة وتقنية، بلا أي منطق، كأن الشخصيات تتحدث بطريقة روبوتية، تتلو الكلمات بتسلسل واحد، دون أي تنويع في النبرة أو التأثير.

بقية الضباط لم يكونوا أفضل حالًا، خاصة العقيد «شافي الحارثي» الذي يتعامل مع القضية بعدم مبالاة، والضابط «محمد» (عزيز غرباوي)، الذي أنصفه الفِلم في مشهد واحد حين قال لـ«نوال»: «ما لك علاقة بالقضية». هذا المشهد المنطقي الوحيد وسط فوضى الأحداث.

أما الصدمة الكبرى، فهي والدة الضحية «أمل» (عهود السامر)؛ كيف يمكن للمرء أن يتصرف بهذه «الطبيعية» بعد فقدان ابنته المراهقة قبل أيام قليلة؟ في المشهد الأول، تراها ذاهبة إلى المول لاستلام عباءة ابنتها بكامل أناقتها، بلا أي أثر للصدمة، بلا أي تعابير حقيقية للحزن أو الألم، حتى إنني حين فقدت سمكتي لم أكن بهذه البرودة! 

للحظات، ومع برودها اللافت وأناقتها المبالغ فيها، خطر ببالي: هل يمكن أن تكون هي القاتلة؟ وحتى لو كان الأمر كذلك، كان من الطبيعي أن يظهر على وجهها قليل من القلق أو الارتياب، بدل هذا الهدوء الغريب! فالقليل من الحزن كان سيمنح الشخصية مصداقية أكبر بكثير.

إخراج أقرب إلى مشروع جامعي

اللافت، بل الصادم، أن «المجهولة» من إخراج المخرجة السعودية الرائدة هيفاء المنصور، صاحبة التجارب التي شاركت في مهرجانات عالمية، والمعروفة بحسّها الإخراجي وخبرتها الواضحة. ويزداد هذا التناقض وضوحًا عند تذكّر فِلمها ‏«Mary Shelley»، الذي قدّم إخراجًا متماسكًا وملهمًا إلى حدّ الإبهار، ما يجعل الفارق بين العملَين محيِّرًا.

في «المجهولة»، جاء الإخراج أقل من المتوقع؛ الإضاءة باهتة في معظم المشاهد، واللقطات أحيانًا مائلة أو غير مستقرة، كأن حركة الكاميرا بلا هدف بصري واضح. كما أن إدارة الممثلين لم تكن موفقة، فبدا الأداء متذبذبًا وغير متّسق، في حين لم تُضِف مواقع التصوير أي عنصر تشويق أو دعم لحالة التوتر التي يتطلبها فِلم جريمة وتحقيق.

ومن الملاحظات الجانبية لمهندس الصوت: قرابة 20% من الحوارات لم تكن مفهومة أو مسموعة بوضوح، وفي أوقات كثيرة كنت أسمع من الحضور: «أيش؟» تعبيرًا عن عدم فهم ما يُقال على الشاشة، مما أضعف التجربة السينمائية بوضوح.

الخلاصة؟

فِلم «المجهولة» قد لا يرقى إلى توقعات المشاهدين من حيث الحبكة والتمثيل والإخراج، لكنه يقدّم فرصة ثمينة للتفكير في كيفية بناء أفلام الجريمة والتشويق باحترافية أكثر، مع التركيز على التفاصيل وأخطاء السرد، مما يجعله درسًا مفيدًا لأي مهتم بهذا النوع من الأعمال.


السينما وُجدت لتبقى

متى تنسى الناس السينما؟ إذا كانت مجرد تجربة بحدود الساعتين، حالما ينتهي الفلم، تختفي من ذاكرتك. مبادرة «سينماء» من هيئة الأفلام انطلقت لتضيف للتجربة عمقًا وتأثيرًا يتجاوز قاعة العرض. من خلال مسارات متنوعة تهدف إلى إثراء المشهد السينمائي السعودي، ودعم المواهب النقدية، وصناعة محتوى يليق بتاريخ السينما ومستقبلها.

اعرف أكـثر


«Zodiac 2007»
«Zodiac 2007»

  • يُعرض اليوم الخميس في صالات السينما في السعودية فِلم «No Other Choice» من إخراج بارك تشان ووك. يحكي الفِلم قصة «يو مان - سو»، موظف يُفصل من عمله بعد خمسةٍ وعشرين عامًا من الخدمة، ليجد نفسه في مواجهة فراغ مهني وضغط اقتصادي خانق يدفعه إلى مسار متطرّف في محاولته الأخيرة للنجاة والحفاظ على استقرار أسرته.

  • ويُعرض في اليوم نفسه فِلم «فلسطين 36» من إخراج آن ماري جاسر. يعود الفِلم إلى فلسطين عام 1936، في ذروة الثورة الفلسطينية الكبرى ضد الانتداب البريطاني، حيث يتتبّع مصائر شخصيات تجد نفسها عالقة بين القمع الاستعماري والانقسام الاجتماعي، مقدّمًا سردًا إنسانيًّا عن لحظة مفصلية شكّلت الوعي الفلسطيني.

  • كما يُعرض في اليوم نفسه فِلم «هجرة» من إخراج شهد أمين. يتتبّع الفِلم رحلة ثلاث نساء من عائلة واحدة عبر مناطق متباعدة من المملكة العربية السعودية، يتحوّل فيها الانتقال الجغرافي إلى اختبار للذاكرة، والهوية، والعلاقة بين الأجيال.

  • يدخل فِلم «Rush Hour 4» مرحلة التصوير خلال النصف الأول من عام 2026. وبحسب التقارير، ستُصوَّر أجزاء من الفِلم في الصين وإفريقيا والمملكة العربية السعودية.

  • أُطلق أوّل عرض تشويقي لفِلم «The Death of Robin Hood»، من بطولة هيو جاكمان. يقدّم الفِلم قراءة قاتمة لشخصية «روبن هود» في سنواتها الأخيرة، إذ يواجه ماضيه بعد حياة طويلة من العنف، وهو جريح وتحت رعاية امرأة غامضة. على أن يُعرض الفِلم في صالات السينما لاحقًا هذا العام.

  • أعلنت منصة نتفلكس انطلاق عرض الموسم الثاني من مسلسل «BEEF» في 16 أبريل، ضمن قصة مستقلة بشخصيات جديدة. يركّز الموسم الجديد على زوجَين شابَّين يجدان نفسَيهما شاهدَين على شجار عنيف ومُقلق بين مديرهما وزوجته، وهو الحدث الذي يشكّل الشرارة الأولى لمسار درامي يتصاعد حول السلطة والعلاقات والاختلال الأخلاقي.


«ALL HER FAULT» (تشويق / جريمة - ثماني حلقات)
«ALL HER FAULT» (تشويق / جريمة - ثماني حلقات)

تُفتتح الحلقة الأولى من مسلسل «All Her Fault» بلحظة تبدو عادية، لكنها تُخفي وراءها كارثة مقبلة؛ الأم «ماريسّا» تقف مبتسمة أمام منزل تعتقد أنها ستستلم منه ابنها «مايلو» بعد يوم لعب مع صديق المدرسة. لحظة قصيرة من الاطمئنان، تتبدّد سريعًا حين تفتح لها سيدة مُسنّة الباب، وتقول بهدوء مُربك: «أنتِ مخطئة بالعنوان… لا وجود لمايلو هنا».

في البداية، تفترض «ماريسّا» أن الأمر مجرد سوء فهم أو خطأ في العنوان، وتحاول التأكد من الرسائل النصية التي وصلتها، تتصل بالأم «جيني» التي كانت تظن أنها نسّقت معها موعد اللعب، لكن دون أيّ رد. وبعد لحظات، تعثر على رقم «جيني» الحقيقي من المدرسة، لتكتشف الصدمة الكبرى: لم تُرسل أي رسالة، ولم يكن هناك موعد لعب متّفق عليه. الرقم الذي كانت تراسله لم يكن سوى رقم مزيف، تقمص شخصية «جيني» بالكامل… ومن هنا تبدأ الأحداث بالتصاعد السريع!

هذا الكشف المبكر يمهّد الطريق للجانب النفسي للمسلسل، إذ لا يتعامل مع الخطف على أنه حادثة مفاجئة فقط، بل كارثة أخلاقية ونفسية. الشعور بالذنب يلازم «ماريسّا» منذ اللحظة الأولى؛ ذنب عدم التحقق، وذنب الاستعجال، وذنب موافقتها على الموعد بسهولة لتتمكن من إنهاء اجتماع عمل مهم. الصدمة هنا مضاعَفة لأنها أمٌّ مُحبّة، لكنها -كأيّ أم-  تحتاج أحيانًا إلى مساحة هدوء واستراحة. هذا الصراع الداخلي يمنح شخصية «ماريسّا» بُعدًا إنسانيًّا حقيقيًّا، ويجعل المُشاهد يتعاطف معها بعمق.

ومع كشف الخلفية المالية للعائلة، تتّضح احتمالية الخطف مقابل فِدية مادية، وهو ما يبدو منطقيًّا في البداية، وربما «الأكثر راحة» نفسيًّا: مال يُدفع؛ طفل يعود؛ حياة تُستأنف. ومع ذلك، مع تقدُّم الحلقات، يظهر أن الجريمة مخطط لها بدقّة وعلى مدى طويل، وأن المسألة أعمق بكثير من مجرد فِدية.

أحد عناصر المتعة الأساسية في المسلسل هو أنه يدفعك للشك في كل مَن يحيط بـ«ماريسّا». كل شخص يبدو قريبًا أو داعمًا قد يملك دافعًا خفيًّا، أو مصلحة خاصة في اختفاء «مايلو». هذا الشك المستمر يفتح بابًا آخر للفهم: نظرة من قُرب لعائلةٍ لامعة من الخارج، لكن الأزمة تكشف تصدُّعات قديمة، جروحًا مؤجَّلة، وعلاقات لا تظهر حقيقتها إلا تحت الضغط. تجد نفسك عاجزًا عن تخمين النيّات، ومتقلِّبًا في أحكامك، وهو ما يرفع مستوى الترقب والتشويق.

في الوقت نفسه، يلعب «All Her Fault» على ثِقل المجتمع الخارجي تجاه الثروة العالية للعائلة، حيث يرى البعض أنهم قادرون على حلّ المشكلة بالمال، والبعض الآخر يتّهمهم بتضخيم المأساة لأسباب دعائية أو مادية. كل ذلك يضاعف العبء النفسي على «ماريسّا»، ويجعل معركتها ليست فقط لاستعادة طفلها، بل أيضًا للدفاع عن حقيقتها وسُمعتها.

من ناحية الإخراج، يعتمد المسلسل على تشويق نفسي هادئ ومتدرّج، لا يستعجل الصدمة، بل يبنيها طبقةً بعد أخرى عبر الشخصيات وتناقضاتها. لقطات الكاميرا القريبة تركّز على مشاعر الشخصيات، ما يعزّز الإحساس بالقلق والاختناق المستمر. 

والأكثر لَفتًا، اللعب الذكي على تغيّر المنظور؛ فالكاتب يقودك فترة طويلة عبر أعين شخصية واحدة، قبل أن ينقلك فجأة إلى منظور آخر يقلب الحكاية بالكامل. ما ظننته حقيقة يصبح موضع شك، وتعاطفك مع الشخصيات يتغيّر بمجرد رؤية الأحداث من زاوية مختلفة.

في المجمل، المسلسل مكوّن من ثماني حلقات مشوّقة ومشدودة الإيقاع، تجربة مشاهدة مثالية لعطلة نهاية الأسبوع، خصوصًا لمن يفضّل أعمال الجريمة التي تطرح أسئلة أخلاقية ونفسية، أكثر من الاعتماد على الغموض السطحي.

توصية لكل مَن يريد أن ينفصل قليلًا عن العالم…

عهود أبو خيرة


ادّخر بذكاء من كل عملية شراء 🧠

كل ريال تنفقه يمكن أن يصنع فرقًا في مستقبلك المالي. «ادخار سمارت» من stc Bank حساب ادّخاري يعطيك 4% أرباح سنوية وتقدر تسحب فلوسك بأي وقت! ادّخر اليوم، واستثمر في غدك مع

«ادخار سمارت».


«Mulholland Drive»
«Mulholland Drive»

يبدأ فِلم «Mulholland Drive» الصادر عام 2001 كحلم هادئ ومطمئن، لكن متابعة هذا الهدوء لا تمنح شعورًا بالراحة بقدر ما تولّد قلقًا مستمرًّا. ففي أثناء المشاهدة، تُلاحظ تراكم التفاصيل فيه لكن دون أن تتصادم، إذ لا يتقدّم الفِلم عبر أحداث حاسمة وواضحة، ويستمر بتكديس الأحاسيس الغريبة وغير المريحة لك. 

وتدريجيًّا يتكشّف هدوء الفِلم بوصفه نتيجة «إنكار»، ويتّضح أن الحلم عبارة عن آلية هروب. إذ ينطلق الفِلم من فكرة قدرة الإنسان على تخيُّل حياة بديلة، ثم العيش كما لو كان الخيال حقيقة وواقعًا، ومنها تتشكّل ثيمات الفِلم حول الوهم، والانقسام الداخلي، و«الأداء المستمر»؛ حيث لا تعيش الشخصيات حياتها بقدر ما تؤدّيها.

وتظهر القصة بوصفها امتدادًا لهذا الاضطراب؛ إذ تصل امرأة شابّة إلى لوس أنجلوس بحثًا عن فرصة في عالم التمثيل، وتلتقي امرأةً أخرى فقدت ذاكرتها بعد حادثة غامضة. ويبدأ مسارهما لمحاولة كشف هوية الأخيرة، في بناء قريب من التحقيق، قبل أن يتحوّل تدريجيًّا إلى تجربة ذهنية غير مستقرة.

ويأخذ ديفيد لينش هذه الأفكار، ويعيد صياغتها في بنية سردية تتحدّى القواعد المألوفة، لمحاكاة الذهن حين يُعيد كتابة الواقع لنفسه. ومن هنا تدخل الموسيقا بوصفها أول علامة على هذا الخلل.

موسيقا تشكّك بالأحداث

كتب الملّحن أنجيلو بادالامينتي موسيقا ذات نغمات منخفضة وبطيئة لتلمّح بأن الأمان الظاهر غير موثوق، وتعكس اختياراته الصوتية ثيمة الانقسام في الفِلم، حيث تكون الجُمل اللحنية غير مكتملة، ودون ذروة موسيقية، ولا تتبدّل الموسيقا حين يتغيّر «مزاج» الفِلم؛ فحتى اللحظات التي تبدو واعدة، ترافقها نغمات باردة ومحايدة.

أبرز المقطوعات

تشكّل هذه المقطوعة البنية الصوتية الأعمق للفِلم، وتمثّل حالة سمعية دائمة فيه. حيث تظهر منذ المَشاهد الأولى، ثم تعود بصِيَغ متحوّلة كلما بدا العالم «طبيعيًّا» أو مستقرًّا ظاهريًّا. وتعتمد على طبقات وتَرية كثيفة منخفضة التردّد، بحركة بطيئة وامتدادات زمنية طويلة، دون تصاعد أو ذروة. هذا التعليق الموسيقي المعلّق يزرع شعورًا مستمرًّا بالاختلال طوال الفِلم.

تأتي هذه المقطوعة أيضًا في الافتتاحية، بطابع قريب من موسيقا الأربعينيات، وبإيقاع أوضح وأكثر حيوية مقارنةً ببقية العمل. وتعتمد على توزيع أكثر انتظامًا، ونبض إيقاعي مألوف، وجُمل لحنية «مُرضية» للأذن. لكن هذا الوضوح هو جوهر الخدعة؛ إذ تعمل المقطوعة بوصفها تمثيلًا صوتيًّا للحلم الهوليوودي الكلاسيكي، قبل أن يبدأ الفِلم في تقويضه.

تُؤدَّى هذه المقطوعة داخل نادي «Silencio» بصوت ريبيكا ديل ريو، وهي نسخة إسبانية من أغنية «Crying» لروي أوربيسون. يأتي الأداء غنائيًّا خالصًا، ما يضع الصوت البشري في الواجهة بوصفه حامل العاطفة الوحيد. ولحظة الانكسار لا تأتي من المقطوعة، بل من انكشاف الخدعة؛ إذ يستمر الغناء بعد سقوط المغنّية أرضًا في المشهد، مؤكّدًا أن ما سمعه المُشاهد كان تسجيلًا سابقًا.

عبد العزيز خالد


فلم «High and Low»
فلم «High and Low»

اليوم نقول «أكشن» مع هذا المشهد من فلم «High and Low» الصادر عام 1963، من إخراج أكيرا كوروساوا.

يحكي الفلم قصة «كينقو قوندو»، رجل أعمال ثري يعيش في فيلا فخمة على تلة، تقتحم حياته أزمةٌ مفاجئة حين يُبلَّغ بأن طفلًا قد خُطف، ويُطلب منه في المقابل فِدية ضخمة. يُجبر «قوندو» على اتخاذ قرار قد يكلّفه كل ما بناه من ثروة وسلطة، ويضعه أمام اختبار أخلاقي غير مسبوق حول المسؤولية والعدالة الإنسانية. هذه الأزمة ليست مجرد حدث درامي، وإنما هي نافذة على عالم يسيطر فيه المال والسلطة على كل شيء، حيث يختبر كل فرد موقعه ووزنه بين القدرة والعجز.

في المشهد، يدخل سائق «قوندو» إلى الغرفة وهو يسأل بقلق عن ابنه، حاملًا رداءً كان ينوي إعطاءه له. في تلك اللحظة، يتلقى «قوندو» اتصالًا هاتفيًّا يفيده بأن ابنه «جون» قد خُطف، ويطلب الخاطف فِدية قدرها ثلاثون مليون ين مقابل إعادته. يُصاب «قوندو» وزوجته بالذعر، وتلحّ الزوجة على ضرورة دفع الفِدية فورًا، بينما يُبدي «قوندو» استعداده لفعل أي شيء من أجل استعادة ابنه، مؤكدًا أن المال يمكن تعويضه لاحقًا من خلال صفقاته ومشاريعه.

ضحية خاطئة..

بعد لحظات مشحونة بالتوتر، يظهر «جون» فجأة، فيظن «قوندو» أن الأمر لم يكن سوى مزحة ثقيلة. ومع تأكده من أن ابنه بأمان، تتبدل ديناميكية المشهد بالكامل؛ إذ نراه ينتقل تدريجيًّا من الخوف والارتباك إلى هدوء واضح في لغة جسده، كأنه تحرّر مؤقتًا من عبء القلق. غير أن هذا الاطمئنان لا يلبث أن يتلاشى حين يلاحظ «قوندو» اختفاء ابن سائقه الشخصي «شينيتشي»، ليدرك الجميع أنه كان يرتدي زِيّ «جون»، وأن التفريق بينهما مهمة صعبة. 

اللافت والمثير للاستغراب هو تحوُّل رد فعل «قوندو»؛ فحين كان يعتقد أن المخطوف هو ابنه، وطلب منه الخاطف عدم إبلاغ الشرطة وإلا سيقتله، بدأ يحذّر صديقه من الاتصال بالشرطة حتى لا يؤذي الخاطف «جون». لكن بمجرد تأكده من أن الطفل المخطوف هو ابن السائق، قال بلا تردد: «اتصلوا بالشرطة!». هذا التحول في القرار وردة الفعل مثير للاهتمام، ويطرح سؤالًا إنسانيًّا عميقًا: ما دامت المصيبة لا تقع على عاتقي، هل أنا مسؤول عنها؟ 

من الناحية السينمائية، البلوكينق في المشهد مذهل؛ فتوزيع الشخصيات في الفضاء لا يخدم الحركة فقط، بل يعبّر بوضوح عن طبقات السلطة والمكانة الاجتماعية. السائق يقف دائمًا عند طرف المشهد، ويأخذ حيّزًا ضيّقًا من الكاميرا، رغم أنه المعنيّ الحقيقي بالكارثة. بينما يشغل «قوندو» المساحة الكبرى من الكادر، في تعبير بصري عن حجم سلطته وقدرته على التأثير. هذا الاختيار يضخّم الفارق الطبقي بين الشخصيات، ويجعل المُشاهد يشعر بهشاشة السائق وضغطه النفسي مقابل قوة «قوندو».

بعد لحظات، تصل الشرطة متخفّيةً بعيدًا عن أعين الخاطف، بينما يقف السائق في الخلف، مُنحنيًا وعيناه منكسرتان إلى الأرض، عاجزًا عن حماية ابنه، ولا يملك حتى الجرأة على الطلب من مديره «قوندو» أن يضحّي بثروته مقابل إنقاذ حياة طفله. كل الأسئلة والبحث والقرارات تقع على عاتق «قوندو»، فيما يُعرض السائق في مشهد صامت يعبّر عن حسرة الأب وانعدام القدرة على التفاوض أو التأثير.

سؤال أخلاقي..

وهنا يصبح السؤال المحوري في الفِلم ليس «كيف سننقذ الطفل؟» بل «هل يُضحّى بالثروة والمكانة من أجل طفل ليس ابنه ولا من طبقته؟». يتعامل كوروساوا مع هذا الموقف بهدوء؛ فلا موسيقا تصعيدية ولا انفعال مبالغ فيه، بل وجوه جامدة تدرك ثقل القرار، ما يجعل الصدمة أعمق، ويُجبر المُشاهد على مواجهة السؤال نفسه.

ولكن بعد مفاوضات طويلة، يتّخذ «قوندو» القرار الأصعب: الموافقة على دفع الفِدية. يتبع تعليمات الخاطف بدقّة، ويتّجه بالمال إلى القطار، ويرمي حقيبة الفِدية في النقطة المتفق عليها، ليُعثر في المقابل على ابن السائق «شينيتشي» في المكان نفسه. إلا أن هذا القرار يضع «قوندو» في مواجهة مع الصحافة والمجتمع؛ فمنهم من يراه أحمق ضحّى بثروته، ومنهم من يراه نموذجًا للتضحية الإنسانية.

كل لحظة في الفِلم تكشف كيف تُحدد السلطة والفارق الطبقي مَن يملك القرار ومَن لا يملكه، وتمنح كل خيار ثقلًا إنسانيًّا حقيقيًّا. المشهد يختصر روح «High and Low»؛ جريمة تُستخدم أداةً لإظهار الفوارق الطبقية والسلطة، وللتأمل في الإنسان أمام لحظة قرار تُغيّر مسار حياته ومسار الآخرين حوله.

عهود أبو خيرة



فقرة حصريّة

آسفين على المقاطعة، هذه الفقرة خصصناها للمشتركين. لتقرأها وتستفيد بوصول
لا محدود للمحتوى، اشترك في ثمانية أو سجل دخولك لو كنت مشتركًا.

اشترك الآن


في أثناء عمل براين دي بالما على الهندسة الصوتية لفِلم «Dressed to Kill»، خطرت له فكرة بناء حكاية تنطلق من هذا التفصيل التقني، ثم تتحوّل إلى دوّامة شكّ أخلاقي ونفسي. تتبع الحكاية تقنيّ صوت يعمل في تسجيل المؤثرات الميدانيّة للأفلام الرخيصة، ويقضي لياليه وحيدًا يلتقط أصوات المدينة. وفي إحدى الليالي، يلتقط تسجيلًا قد يكون دليلًا على جريمة اغتيال، ومن ثَم يبدأ هوسه في محاولة إقناع الآخرين بأن ما سمعه ليس وهمًا.

استلهم دي بالما الفكرة من تجربته العملية في تسجيل المؤثّرات الصوتية وتحريرها، ومن فِلم «Blow-Up» الصادر عام 1966. لكن الفارق الجوهري بين العملَين يتمثّل في زاوية الاشتغال؛ فبينما تعامل «Blow-Up» مع الجريمة بصورة فلسفية وبوصفها احتمالًا يفتح أسئلة حول الواقع والفراغ الوجودي، اختار دي بالما أن يجعل الجريمة مركز الثقل الدرامي، ويبدّل التأمّل الفلسفي إلى تشويق وإثارة تقليدية، حيث يصبح الدليل التقني محور صراع مع منظومة مصمّمة على إنكار الحقيقة.

وبهذه المعلومة نستهلّ فقرة «دريت ولّا ما دريت» عن فِلم «Blow Out» الصادر عام 1981:

  • كان آل باتشينو الخيار الأول لبطولة الفِلم، وعندما تعذّر ارتباطه بالمشروع، انتقل الدور إلى جون ترافولتا. وبعد التعاقد مباشرة، اقترح أحد التنفيذيين في الاستوديو إسناد دور «سالي» إلى أوليفيا نيوتن جون، استثمارًا للنجاح الجماهيري الذي جمعها بترافولتا في فِلم «Grease». لكن دي بالما رفض هذا التوجّه، متمسّكًا بنانسي ألين -زوجته آنذاك- إيمانًا بقدرتها على تقديم شخصية أكثر هشاشة وأقل نجومية.

  • خلال فترة التصوير، عانى ترافولتا أرقًا حادًّا، وانعكس إرهاقه الجسدي الحقيقي على أدائه. فبدا حضوره متوترًا، ومشدود الأعصاب باستمرار، وهو ما خدم الشخصية، إذ عزّز الإحساس بأن البطل يعيش على حافة الانهيار.

  • تصوّر دي بالما المشروع في بدايته بميزانية متواضعة تقارب ثلاثة ملايين دولار فقط، لكن انضمام ترافولتا لدور البطولة رفع الميزانية إلى ما يقارب ستة أضعاف. المشكلة هي أن العمل أخفق تجاريًّا، وتلقّى استقبالًا فاترًا أضرّ بمكانة ترافولتا في الأدوار الجادّة خلال تلك المرحلة. 

  • صرّح كوينتن تارانتينو في أكثر من مناسبة أن هذا الفِلم هو عمله المفضّل في مسيرة دي بالما، وأن أداء ترافولتا فيه كان العامل الحاسم لاختياره لدور محوري في «Pulp Fiction»، الفِلم الذي أعاد إطلاق مسيرته بقوّة ومن زاوية مختلفة.

  • في جلسة «أسئلة وأجوبة» أُقيمت عام 2019، ربطت نانسي ألين إعادة اكتشاف الفِلم نقديًّا في التسعينيَّات بالحماس العلني الذي أبداه تارانتينو له. ومع مرور الوقت، ترسّخت مكانته بوصفه أحد أبرز أعمال براين دي بالما، وصولًا إلى صدور نسخته المرمّمة عام 2011، لتكون اعترافًا متأخرًا بقيمته الفنية وتأثيره.

  • خلال تصوير مشهد «موكب الحرية»، وقعت إحدى أكثر الحوادث كلفة في تاريخ الإنتاج؛ إذ في أثناء عملية نقل بكرتي التصوير، توقّف سائق الشاحنة عند أحد المتاجر، وترك المركبة دون مراقبة، فسُرقت الشاحنة مع اللقطات، ما أجبر الطاقم على إعادة تصوير المشهد من الصفر، بتكلفة قُدّرت بنحو 750 ألف دولار (قرابة ثلاثة ملايين في 2026).

عبد العزيز خالد

النشرة السينمائية
النشرة السينمائية
أسبوعية، الخميس منثمانيةثمانية

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.

+20 متابع في آخر 7 أيام