قصص متوازية: تجربة مصقولة بعناية


قصص متوازية: قراءة أصغر فرهادي في التلصص والاستماع للصمت
فواز العدواني

في البداية، وقبل الخوض في انتقادي الفِلم، طلبٌ بسيط لمن يقرأ حاليًّا: اذهب إلى يوتيوب واكتب في خانة البحث (Zbigniew Preisner - Dekalog VI)، واستمع إليها في أثناء القراءة.
عللت على هذه المعزوفة لأن من خلالها افتتح أصغر فرهادي آخر أفلامه تحت عنوان «قصص متوازية»، الذي يُعَد ريميك لفِلم «A Short film about love» الصادر في عام 1988، من إخراج كريستوف كيشلوفسكي، ومن ألحان الملحن زبيقنو برايزنر.
في «قصص متوازية»، يعود أصغر فرهادي إلى منطق العلاقات المختلة الذي بنى عليه أهم أفلامه، لكن هذه المرة عبر فِلم يبدو أكثر هدوءًا وأقل اندفاعًا دراميًّا مما اعتدناه منه في أرض إيران. العمل المعروض ضمن مهرجان كان السينمائي، لا يملك القوة العاطفية الساحقة في «انفصال» أو «البائع»، لكنه يظل فِلمًا ذكيًّا ومثيرًا للاهتمام، خصوصًا في طريقته ببناء التوتر من التفاصيل الصغيرة، لا من المواجهات الكبرى.
أكثر ما شدّني فعلًا كان هندسة الصوت، التي تبدو هنا العمود الفقري الحقيقي للفِلم. يستخدم فرهادي الصمت والأصوات الخلفية بحساسية شديدة؛ وقع الخطوات داخل الممرات، والضجيج الخافت خلف الأبواب، وحتى اللحظات التي يتوقف فيها الحوار تمامًا، كلها تتحول إلى أدوات درامية تكشف هشاشة الشخصيات أكثر مما تكشفه الكلمات نفسها. هناك مشاهد كاملة تعيش على الإحساس السمعي أكثر من الصورة، وهذا من أذكى جوانب الفِلم التقنية. بل هناك خط سير بالكامل عن الخداع والخيانة، مفتاحه كان اللعب على هندسة الصوت!
أما على مستوى الأداء، تقدّم إيزابيل أوبير أداءً باردًا ظاهريًّا لكنه مليء بالارتباك المكتوم. تبدو شخصيتها دائمًا كأنها تراقب الآخرين وتحسب المسافة بينها وبينهم، تكتب ما تراه وتتخيل سيناريوهات ترى أبطالها من خلال منظارها السري. لا تؤدي أوبير المشاعر مباشرة، بل تتركها تتسرب عبر النظرات والترددات الصغيرة في الكلام، وهو أسلوب يناسب عالم فرهادي القائم أصلًا على الأسرار والاحتمالات. شاهدنا ذلك في لحظات الصمت والتوتر في «انفصال»، حيث لحظة الكلام كانت تُترجم على هيئة صراخ وخلاف.
في المقابل، يلعب فينسنت كاسيل على صورته المعتادة بصفته رجلًا مأزومًا برغباته وبفكرة السيطرة. أداؤه جيد، لكنه أحيانًا يقع في التكرار، خصوصًا أن الشخصية نفسها لا تمنحه طبقات جديدة كثيرة مقارنة بأدواره السابقة. ومع ذلك، يظل حضوره مهمًّا لأنه يضيف إلى الفِلم ذلك الشعور المستمر بالتهديد غير المعلن، كأن كل مشهد قد ينفجر في أي لحظة.
ما أعجبني في الفِلم أيضًا أن فرهادي لا يتعامل مع شخصياته كأبطال أو ضحايا. الجميع هنا مرتبك، أناني قليلًا، وخائف من قول الحقيقة. حتى اللحظات العاطفية تبدو ناقصة أو غير مكتملة، كأن الفِلم كله مبني على فكرة الاستحالة الحقيقية للتواصل بين البشر. هذه المنطقة الرمادية هي ما يجعل فرهادي دائمًا مثيرًا للاهتمام، حتى عندما لا يكون في أفضل مستوياته.
لاحظت هجومًا نقديًّا سلبيًّا بالإجماع على «قصص متوازية». بالنسبة إليّ، هو ليس فِلمًا عظيمًا بالضرورة، وفيه بعض الترهل وخطوط درامية لا تصل إلى نهايات مُرضية بالكامل، لكنه يظل تجربة مشغولة بعناية، وفيها حس سينمائي واضح، خصوصًا على مستوى الأداء والصوت. فِلم أعجبني، ربما ليس إعجابًا كاملًا، لكنه بالتأكيد من تلك الأفلام التي تبقى في الذهن بسبب مزاجها وتفاصيلها أكثر من أحداثها نفسها.

مبادرة «سينماء»
تأخذ على عاتقها رفع مستوى النقد ليكون محكمًا ورصينًا ومرتبطًا بسينمانا السعودية، دون أي فوارق بين المتعة والمعرفة الجادّة.
ليكتمل المشهد، تعرف على «سينماء».



من سوق كان 🎬
أغلقت شركة «Highland Film Group» عدة صفقات توزيع لفِلم الرعب والنجاة «The Black Demon: Atlantis» داخل سوق كان 79، شملت بريطانيا وكندا وألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية، بالتزامن مع انطلاق تصوير الفِلم في كولومبيا. تدور أحداثه داخل سجن شديد الحراسة وسط المحيط الهادئ، حيث يحقق عميل متخفٍّ في وفيات غامضة قبل أن يبدأ قرش عملاق بنشر الفوضى داخل السجن.
هيمنت الأفلام الفلسطينية على جوائز «Critics Awards for Arab Films» التي أُقيمت على هامش مهرجان كان السينمائي 79، بعد فوز فِلم «كان يا ما كان في غزة» بجائزة أفضل فِلم عربي. كما حصد فِلم «فلسطين 36» جائزتي أفضل سيناريو وأفضل تصوير، بينما ذهبت جائزة أفضل إخراج إلى المخرجة الفلسطينية شيرين دعيبس عن فِلم «اللي باقي منك».
أغلقت شركة «Picturehouse Entertainment» خلال سوق كان 79، صفقة توزيع فِلم «A Town In Nova Scotia» في بريطانيا وأيرلندا، وهو أحدث أفلام المخرج بابك جلالي بطولة بيل ناي ومكرم خوري. يتناول الفِلم قصة رجل أيرلندي مسنّ يشنّ حملة لتحسين سلامة المبنى الذي يعيش فيه بعد حادثة حريق برج في لندن.
أغلقت شركة «Signature Entertainment» خلال سوق كان 79، صفقة توزيع الفِلم الكوميدي «Merry Christmas Aubrey Flint» في بريطانيا وأيرلندا، تمهيدًا لطرحه في موسم الكريسماس نهاية هذا العام. يضم الفِلم طاقمًا يشارك فيه ريتشارد إي.قرانت وجيم برودبنت وسيليا إمري، وتدور أحداثه حول رسام يكره الكريسماس يُجبَر على الإشراف على عرض فوضوي لمسرحية «A Christmas Carol» داخل دار رعاية للمسنين.
شهد سوق كان 79، منافسة متصاعدة على حقوق توزيع فِلم «Club Kid» بعد تحوّله إلى أحد أكثر أفلام المهرجان طلبًا هذا العام، وسط اهتمام من شركات مثل «Netflix» و«A24» و«Searchlight Pictures» و«MUBI». الفِلم من إخراج وبطولة «جوردان فيرستمان»، وتدور أحداثه حول مروّج حفلات ليلية في نيويورك يكتشف فجأة أن لديه ابنًا لم يكن يعلم بوجوده.
يتولى المخرج البريطاني رون سكالبيو إخراج فِلم «Deployed: Colombia»، أول اقتباسات سلسلة روايات «ليام سكوت» للكاتب والضابط السابق في القوات الخاصة البريطانية آندي ماكناب، بالتزامن مع بدء تسويق المشروع داخل سوق كان 79. يتناول الفِلم قصة جندي بريطاني شاب يُرسل إلى كولومبيا، ليجد نفسه وسط حرب معقدة ضد تجارة المخدرات إلى جانب قوات خاصة وعملاء دوليين.

لو مُصمم على نجاح منتجك؟ صممه صح ✅
«معمل الصناع» في «المشتل» مساحة توفر لك الأدوات والمختصين؛ لتصميم منتجاتك واختبارها بشكل أمثل قبل وصولها للمستهلك باستخدام أدوات مثل قص الليزر والطباعة ثلاثية الأبعاد 🧩.


لطالما انشغل أصغر فرهادي بالحكايات التي تبدأ من لحظة صغيرة وعابرة، ثم تكشف تدريجيًّا هشاشة العلاقات والأسرار التي تخفيها العائلات خلف هدوء حياتها اليومية. خلال رحلة إلى إسبانيا قبل أكثر من خمسة عشر عامًا، استوقفته ملصقات لفتيات وأطفال مفقودين معلّقة في محطات القطار والشوارع والأماكن العامة. لم تغادره تلك الصور بسهولة؛ فقد بدا له كل ملصق كأنه باب مفتوح على عائلة كاملة تعيش تحت ثقل القلق والأسئلة والذنب. وظل هذا المشهد عالقًا في ذهنه لسنوات طويلة، قبل أن يتحول تدريجيًّا إلى بذرة لفكرة سينمائية.
ومع مرور الوقت، بدأ يتخيّل ما الذي يمكن أن يحدث داخل عائلة عندما يختفي أحد أفرادها فجأة. لم يكن مهتمًّا بالخطف بوصفه لغزًا بوليسيًّا بقدر اهتمامه بالطريقة التي يمكن لحادثة واحدة أن تُعيد ترتيب العلاقات، وتكشف تاريخًا طويلًا من التوترات والمشاعر المكتومة والحقائق التي ظل الجميع يتجنب مواجهتها.
ومن هنا بدأ فرهادي تطوير السيناريو على مدى سنوات، محاولًا فهم المجتمع الإسباني من الداخل قبل الاستقرار النهائي على شخصياته. عاد مرارًا إلى إسبانيا، وقضى وقتًا طويلًا في مراقبة تفاصيل الحياة اليومية داخل القرى الصغيرة، حيث يعرف الجميع تاريخ بعضهم بعضًا، وتبقى الأسرار حيّة مهما حاول أصحابها دفنها. وقد وجد في هذا النوع من المجتمعات البيئة المثالية للحكاية التي أراد سردها، حتى تبدو القصة كأنها وُلدت من هذا العالم فعلًا، لا مجرد حكاية إيرانية نُقلت إلى بيئة مختلفة.
ومع اتساع المشروع، انضم المنتج الفرنسي ألكسندر ماليت-قاي، الذي سبق أن تعاون مع فرهادي في «The Past» و«The Salesman»، ليساعده على تحويل الفكرة إلى إنتاج أوربّي ضخم يجمع شركات من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا. وبعد سنوات من التطوير والتحضير، خرج الفِلم إلى النور عام 2017، ليحجز لنفسه سريعًا مكانًا بين أكثر أفلام الموسم حضورًا وإثارةً للاهتمام على الساحة السينمائية.
وبهذه المعلومة نستهلّ فقرة «دريت ولّا ما دريت»، عن فِلم «Everybody Knows» الصادر عام 2018، من إخراج أصغر فرهادي:
قبل تصوير الفِلم، عاش أصغر فرهادي عامًا كاملًا في إسبانيا لالتقاط خصوصية المكان وإيقاع اللغة. ورغم أنه لا يتحدث الإسبانية، كان يلاحظ أي تغيير بسيط في الحوار، معتمدًا في أثناء التصوير على الإيماءات والنبرة أكثر من الشرح المباشر، وهو ما جعل الممثلين أكثر حساسية للإيقاع والحالة الشعورية داخل المشاهد.
دور «أليخاندرو» لم يكن أرجنتينيًّا في البداية، بل كان شخصية أمريكية تسافر إلى إسبانيا. لكن بعد اختيار ريكاردو دارين للدور، غيّر فرهادي خلفية الشخصية إلى أرجنتينية حتى يبقى الفِلم بلغة واحدة، واستعان بدارين نفسه للمساعدة على ضبط التفاصيل الثقافية الخاصة بالشخصية.
للتحضير لمشهد الزفاف الكبير في بداية الفِلم، حضر فرهادي عدة حفلات زفاف في جنوب إسبانيا، ولاحظ تشابه أجوائها مع حفلات الزفاف التي عرفها في طفولته في إيران، ثم حاول نقل هذا الإحساس إلى افتتاحية الفِلم.
واحدة من أصعب لحظات التصوير كانت مشهد انقطاع الكهرباء في أثناء العاصفة، إذ اعتمد الفريق على مصادر إضاءة محدودة مثل الشموع ومصابيح السيارات وإضاءات الجوالات، بينما استخدم مدير التصوير خوسيه لويس ألكايني وحدات (LED) صغيرة وغير ملحوظة للحفاظ على وضوح التفاصيل وسط المطر والظلام.
استلهم فرهادي جزءًا من البناء النفسي والعاطفي للشخصيات من أفكار الشاعر الصوفي جلال الدين الرومي، حتى إن بينيلوبي كروز قالت إنهما كانا يتحدثان عن الرومي بصورة شبه يوميّة في أثناء التصوير.
اختير الفِلم لافتتاح مهرجان كان السينمائي 2018، ليصبح ثاني فِلم ناطق بالإسبانية يفتتح المهرجان بعد «La mala educación» للمخرج بيدرو ألمودوفار عام 2004.
عهود أبو خيرة

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.