لأول مرة سبايدرمان بطل أفلامه!


من ترغب في أن يكون ضيف بودكاست النشرة السينمائية القادم؟

نايف العصيمي


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

لأول مرة سبايدرمان بطل أفلامه!

فيصل الحربي

بعد النجاح الهائل الذي حققته ثلاثية توبي ماقواير، أعلنت سوني إلغاء مشروع (Spider-Man 4) للمخرج سام رايمي. جاء هذا القرار نتيجة مزيج من الخلافات الإنتاجية، وضغوط حقوق النشر، إضافة إلى الخوف مما يُعرف بـ«لعنة الجزء الرابع». في ذلك الوقت، كان أمام سوني خياران: إما الاستمرار في السلسلة وسط توقعات جماهيرية هائلة، أو خسارة حقوق «سبايدرمان»، إذ تشترط مارفل على الشركات المالكة إنتاج أفلام للشخصية خلال فترات زمنية محددة للحفاظ على حقوقها.

في النهاية، فضّلت سوني إعادة إطلاق السلسلة بالكامل برؤية جديدة وفريق جديد، لتنطلق بعدها حقبة أندرو قارفيلد، التي تدور أحداثها في «الأرض 120703»، وهو الاسم الذي تطلقه مارفل على الكون الذي تجري فيه تلك الأفلام. وبعد ذلك، تعاونت سوني مع مارفل لتقديم نسخة توم هولاند، التي تنتمي إلى «الأرض 199999»، وهو الاسم الرسمي للكون السينمائي الرئيس لعالم مارفل (MCU)، حيث أصبحت شخصية سبايدرمان واحدة من أبرز شخصياته.

وبعد ثلاثية انتهت بأحداث (No Way Home) التي أعادت تعريف شخصية بيتر باركر، يعود سبايدرمان هذه المرة ليواجه أزمة هوية تجسد عنوان الفلم (Brand New Day)، معلنًا بداية فصل جديد بالكامل في رحلته.

بداية جديدة

أخيرًا نحصل على قصة تركز على ما خلف قناع سبايدرمان، بعيدًا عن التهديدات الكونية والأحداث الضخمة. تبدأ الأحداث بعدما يجد «بيتر» نفسه وحيدًا، بعد أن مُحيَت ذكراه من العالم بأسره، بما في ذلك أقرب شخصين إليه: «إم جاي» و«نيد». يختار «بيتر» ألا يفرض نفسه على حياتهما مجددًا، ويكتفي بمراقبتهما من بعيد والتأكد من سلامتهما، بينما يكرّس حياته بالكامل لحماية مدينة نيويورك بصفته سبايدرمان.

لكن يبدأ الشعور بالفقد والذنب، والعزلة التي فرضها بيتر على نفسه، تترك أثرًا واضحًا عليه. ومع مرور السنوات، يواجه بيتر اضطرابات في قواه، فتغدو أكثر عدوانية وأقل استقرارًا، وكأن الضغوط النفسية التي يعيشها بدأت تنعكس على طبيعته نفسها.

وفي خضم ذلك، تظهر قوة غامضة قادرة على السيطرة على عقول البشر وأجسادهم، لتضع سبايدرمان أمام مواجهة مختلفة، بينما يخوض في الوقت نفسه صراعًا داخليًا بين مسؤولياته كبطل ورغبته في استعادة حياته. ورغم ازدحام الفلم بالأحداث، فإنه ينجح في إبقاء جميع خيوطه مرتبطة بـ«بيتر باركر».

القلب الحقيقي للسلسلة

تظل العلاقة بين «بيتر» و«إم جاي» و«نيد» القلب الحقيقي لهذه السلسلة، لكن الفلم يعيد تقديمها بصورة مختلفة. فبعد نهاية (No Way Home) اختار «بيتر» الإبقاء على التعويذة كما هي، ما يعني أن «إم جاي» و«نيد» يواصلان حياتهما دون أي ذكرى عنه، بينما يعيش هو وحيدًا ويتذكر كل شيء. لم يعد الصراع متعلقًا بمحاولة الحفاظ على علاقة عاطفية، الصراع هنا ببساطة محاولة التعايش مع فقدان أشخاص ما زالوا على قيد الحياة، لكنهم أصبحوا غرباء عنه. لذلك تأتي المشاهد التي تجمعه بهما محمّلة بالألم، لأن المشاهد يدرك ما فقده «بيتر»، بينما الشخصيات نفسها لا تعرف شيئًا عن ذلك. 

والأجمل أن الفلم يلتزم بهذه النهاية، فلا يتراجع عن عواقب (No Way Home)، أو يلجأ إلى حل سهل يعيد الأمور إلى ما كانت عليه.

ظهور شخصيات مارفل... لخدمة القصة

للمرة الأولى منذ سنوات، يبدو سبايدرمان وكأنه بطل فلمه فعلًا، وليس مجرد شخصية تتحرك لخدمة مشاريع مارفل القادمة. ففي الأفلام السابقة، كان من السهل الشعور بأن «بيتر» يدور في فلك أبطال أكبر منه؛ مرة يتعلم من «توني ستارك»، ومرة يكمل أحداث أفلام أخرى، أو يكون وجوده جزءًا من تمهيد لمشروع أكبر. أما هنا، فحتى مع حضور شخصيات مثل «بروس بانر» و«فرانك كاسل»، يبقى الفلم فلم سبايدرمان أولًا، بينما تأتي هذه الشخصيات لخدمة رحلته، لا العكس.

مواجهة سبايدرمان مع هالك موجودة لأنها ببساطة مواجهة طالما حلم الجمهور برؤيتها، لكن متعتها لا تكمن في فكرة «سبايدرمان ضد هالك» وحدها، بل في رؤية سبايدرمان يواجه خصمًا يتفوق عليه في القوة بمراحل، فيضطر للاعتماد على ذكائه وسرعته بدلًا من القوة المباشرة، وهي الصفات التي لطالما ميّزت الشخصية.

أما «بانشر»، فحضوره ممتع لسبب مختلف تمامًا. فهو يمثل النقيض الكامل لسبايدرمان؛ أحدهما يؤمن بأن إنقاذ الجميع واجب لا يمكن التنازل عنه، بينما يرى الآخر أن إنهاء التهديد بأي وسيلة هو الحل. هذا التضارب الأخلاقي يجعل كل مشهد يجمعهما مليئًا بالشد والجذب، ويمنح حواراتهما قيمة لا تقل عن قيمة مشاهد الأكشن.

نيويورك... جزء من القصة

لطالما كانت نيويورك أكثر من مجرد مكان يعيش فيه سبايدرمان؛ فهي جزء من هويته. فـ«بيتر باركر» ليس بطلًا يحمي العالم من الفضاء أو الأكوان المتعددة، هو شاب يعرف أحياء مدينته، ويتعامل يوميًا مع سكانها وجرائمها الصغيرة قبل الكوارث الكبرى.

ولهذا ينجح الفلم في إعادة المدينة إلى الواجهة، حيث تبدو الشوارع والمحلات والأحياء، وحتى المارة، عناصر حقيقية داخل القصة. وعندما يتحرك سبايدرمان بين المباني أو يتدخل لإنقاذ شخص في الشارع، تشعر أن المدينة تتفاعل معه، وأن وجوده جزء من حياتها اليومية. هذا الإحساس هو ما افتقدته بعض أفلام السلسلة السابقة، ويعيده الفلم هنا بوضوح.

ملاحظات أخيرة

أكثر ما أعجبني في الفلم أنه جعل الصراع الحقيقي داخل «بيتر»، وليس مع الشرير. فهو يطرح أفكارًا عديدة مثل الوحدة، والشعور بالذنب، والغضب، وأزمة الهوية، وفقدان الإحساس بالانتماء بعد أحداث (No Way Home). كل هذه الجوانب تجعل بيتر يمر بأصعب مرحلة في حياته، خاصة مع التغيرات التي تبدأ بالظهور في قواه، والتي تبدو مرتبطة بحالته النفسية أكثر من كونها مشكلة جسدية.

لكن هنا يأتي أكبر تحفظ لدي. الفلم يفتح هذه الصراعات بطريقة ممتازة، ثم ينتقل بسرعة إلى الصراع التالي قبل أن يمنحها الوقت الكافي للنمو. كنت أود قضاء وقت أطول مع «بيتر» وهو يحاول فهم ما يحدث له، وكيف تؤثر هذه التحولات في قراراته وعلاقاته ونظرته إلى نفسه. بدلًا من ذلك، شعرت أن بعض الأزمات تُحَل بمجرد وصولها إلى ذروتها، وذلك رغم أن مدة الفلم كانت تسمح بالتعمق فيها أكثر. وهذا مؤسف، لأن أكثر ما يميز سبايدرمان طريقته في مواجهة نفسه. يقترب الفلم كثيرًا من هذا الجانب، لكنه أحيانًا يستعجل الوصول إلى الحلول، فيفقد بعض اللحظات العاطفية التي كان يمكن أن تكون أكثر تأثيرًا لو منحها مساحة أكبر.

وخلال مشاهدتي للفلم، أدركت أن ما يمر به «بيتر» لم يعد مجرد مشاعر مراهق، إنما مشاعر شخص بالغ يحاول التعايش مع الخسارة والوحدة والمسؤولية. ولعل أكثر ما يميز (Brand New Day) أنه يبدو واعيًا بجمهوره؛ فكثير ممن بدأوا متابعة هذه السلسلة قبل سنوات كبروا اليوم. ولذلك يبدو الفلم وكأنه بداية جديدة لبيتر باركر... وبداية جديدة للجمهور معه أيضًا.


Spider-Man: No Way Home (2021)
Spider-Man: No Way Home (2021)

في منتصف الثمانينيات، باعت «Marvel» حقوق إنتاج فِلم «Spider-Man» للمنتج مناحيم قولان، الذي رأى في الشخصية مشروعًا سينمائيًّا ضخمًا قادرًا على منافسة أكبر أفلام الأبطال الخارقين. لكن الفِلم لم يقترب حتى من مرحلة التصوير؛ إذ تعثَّرت الخطة مع انهيار شركة «Cannon Films»، لتبدأ بعدها رحلةً طويلة من انتقال الحقوق بين شركات إنتاج مختلفة، دخل بعضها في الإفلاس، بينما دخل بعضها الآخر في نزاعات قانونية حول أحقية امتلاك الشخصية.

ومع مرور السنوات، أصبحت حقوق «Spider-Man» واحدة من أكثر ملفات هوليوود تعقيدًا؛ إذ توزَّعت بين عدة شركات، وامتدت الخلافات إلى أربع قضايا إفلاس، وخمس دعاوى قضائية، وثمانية عشر اتفاقية مكتوبة مختلفة. وبحلول أواخر التسعينيات، تحوَّلت القضية إلى نزاع قانوني بين «Marvel» و«Sony» و«MGM»، بعدما ادَّعت كل جهة امتلاك الحق القانوني في إنتاج الفِلم أو استغلال السيناريوهات السابقة. واستمرت الدعاوى سنوات، حتى توصل الأطراف عام 1999 إلى تسوية منحت «Sony Pictures» حقوق إنتاج الفِلم رسميًّا، لتنتهي بذلك واحدة من أطول معارك الحقوق في تاريخ أفلام الأبطال الخارقين.

وبمجرد استقرار الحقوق، كلّفت «Sony» الكاتب ديفيد كويب بكتابة سيناريو جديد، مستفيدًا من بعض أفكار المعالجة التي كتبها جيمس كاميرون قبل سنوات، والتي لم ترَ النور بعدما تعثّر مشروعه وسط النزاعات القانونية على حقوق الفِلم. أعاد كويب بناء القصة بالكامل تقريبًا، وخلال ذلك، بدأت «Sony» رحلة البحث عن المخرج، واضعةً قائمة ضمت أسماءً بارزة مثل ديفيد فينشر وأنق لي وكريس كولومبوس ورولاند إيمريش وإم. نايت شيامالان، قبل أن يقع الاختيار في النهاية على سام رايمي.

لم يكُن رايمي الخيار الأشهر بين المرشحين، ودخل اجتماعه مع مسؤولي «Sony» حاملًا رؤية مختلفة. تحدّث عن بيتر باركر أكثر من حديثه عن المؤثرات البصرية ومشاهد الأكشن، مؤكدًا أن الجمهور يجب أن يحب بيتر أولًا قبل أن يحب سبايدرمان، وأن ما يميز الشخصية أنه شابٌّ عادي يحاول التوفيق بين حياته الشخصية ومسؤوليته الجديدة. وكانت هذه الرؤية هي التي أقنعت الاستوديو بإسناد المشروع إليه.

وبهذه المعلومة نستهلّ فقرة «دريت ولا ما دريت؟» عن فِلم «Spider-Man» للمخرج سام رايمي:

  • في النسخة الأولى من سيناريو ديفيد كويب، كان من المقرر أن يواجه سبايدرمان «Green Goblin» و«Doctor Octopus». لكن سام رايمي استبعد «Doctor Octopus» وركّز على «Green Goblin»، بعدما رأى أن العلاقة بين نورمان أوزبورن وبيتر باركر تمنح القصة بُعدًا دراميًّا أقوى.

  • ورث الفِلم من معالجة جيمس كاميرون فكرة خروج خيوط الشبكة من جسد بيتر باركر، ما استدعى إعادة تصوير بعض المشاهد بعد اعتمادها نهائيًّا بدلًا من أجهزة إطلاق الشبكة. ورغم اعتراض محبي القصص المصورة، رأى سام رايمي أن هذا الخيار أكثر قابلية للتصديق.

  • لم يكُن ويليم دافو المرشح الأول لتجسيد شخصية «Green Goblin»، لكنه سعى بنفسه إلى الحصول على الدور، وصوّر اختبار أداء داخل الفندق الذي كان يقيم فيه في أثناء تصوير فِلم في إسبانيا، ليحسم اختياره. وبعدها أصرّ على تنفيذ معظم مشاهده الخطرة بنفسه، عادًّا لغة جسد الشخصية جزءًا أساسيًّا من أدائها.

  • نفّذ توبي ماقواير بنفسه مشهد صينية الطعام الشهير بعد 156 محاولة متتالية، مستخدمًا مادةً لاصقة لتثبيت الصينية بيده، بينما بقي الطعام غير مثبت، لتظهر اللقطة في الفِلم كما صُورت دون مؤثرات بصرية.

  • استغرق إنجاز المؤثرات البصرية للّقطة الختامية، التي يتأرجح فيها سبايدرمان بين ناطحات السحاب، نحو 18 شهرًا، لتصبح أكثر لقطات الفِلم استهلاكًا للوقت، وآخر لقطة تكتمل قبل طرحه في دور السينما.

  • سُرقت أربع بدلات أصلية لسبايدرمان من موقع تصوير الفِلم في أثناء الإنتاج، ولم تستعِدها الشرطة إلا بعد تحقيق استمر نحو 18 شهرًا، انتهى بالقبض على حارس أمن سابق في استوديو «Sony».

عهود أبو خيرة

النشرة السينمائية
النشرة السينمائية
أسبوعية، الخميس منثمانيةثمانية

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.

+20 متابع في آخر 7 أيام